الدكتورة بلقيس محمد جباري.. المرأة التي ساعدت في إعادة الحياة للألاف من النساء اليمنيات

بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للمرأة، نسلط الضوء على أهم جهود وإنجازات

الدكتورة بلقيس محمد جباري مؤسس ورئيس مؤسسة التنمية والإرشاد الأسري رائدة خدمة المجتمع في المجال النفسي والإنساني، وإحدى رائدات تغيير وضع المرأة اليمنية.. فلها منا كل الاحترام والتقدير:

 

-       ولدتُ في أسرة متعلمة بمقاييس اليمن في مجتمع تقليدي محافظ، كان وما يزال المجتمع ينظر بانتقاص ودونية للمرأة ولا يساويها بالرجل في أي شيء، "فالمرأة ناقصة عقل وميراث" بحسب التعبير الدارج، ولهذا كان العنف الأسري تجاه المرأة سمة عامة في المجتمع وتتقبله النساء بوصفه حالة طبيعية، حتى من أقاربها الذكور الأصغر منها سناً. وإذا أنجبت المرأة لزوجها ذكوراً فاخر بها وإن أنجبت أناث فقط كان يعيرها ويتزوج عليها بالزوجة الثانية لتنجب له الذكور أو يطلقها. 

-       منذ صغري كنت أدرك أنني أفضل حظا من الإناث من حولي كان لدي رفض لممارسات العنف التي أشهدها ضد النساء في المجتمع من حولي وانتهاك حقوقهن، وكنت أتألم كثيراً عند سماع قصص العنف والمعاملة القاسية لزميلاتي في المدرسة من آبائهن وإخوانهن وأتمنى لو استطعت مساعدتهن، ومنذ ذلك الحين ولدي حلم أن أواصل تعليمي في المجال الذي أتمكن من خلاله مساعدة أكبر عدد من الإناث اللواتي يتعرضن للعنف والتمييز وبحاجة للمساعدة.

-       كرست حياتي لهذه المهمة منذ وقت مبكر، والتحقت بقسم علم النفس بالجامعة لهذا الغرض، وكرست دراسة الماجستير لدراسة الضغوط النفسية التي تتعرض لها المرأة والدكتوراة لموضوع التوافق الزواجي وعلاقته بصحة الأبناء النفسية. لكن دراستي الجامعية والعليا في جامعة صنعاء لم تمنحني الأدوات والمهارات المهنية الاحترافية لتقديم الاستشارة والعلاج النفسي الناجع. فتقدمت ضمن منافسة إقليمية لمنحة "الفولبرايت" الأمريكية لبرنامج العلاج النفسي وحزت عليها. وخلال دراستي في ذلك البرنامج (2003-2005) في كلية الإرشاد والعلاج النفسي بجامعة تاوسن بولاية ميرلاند تفوقت وتم اختياري الطالبة الأولى على البرنامج للعام 2005. وعملت معالجة نفسية ومستشارة (a therapist and health educator) في مركز جلين وود للعلاج النفسي، هذا المركز الذي أكن لا دارته وفريقه الذين أحاطوني بالرعاية والاهتمام كل العرفان والحب والاحترام، والذين حرصوا على أن أواصل العمل فيه مقدمين لي عروضا طيبة، لكنني آثرت العودة إلى اليمن وتحقيق حلمي في مساعدة النساء في اليمن اللاتي يتعرضن للعنف والضغوط النفسية المختلفة واللواتي هن في أمس الحاجة لمثل تخصصي، حيث وأنا الأنثى الوحيدة في اليمن الحاصلة على هذه الدرجة العلمية في الإرشاد والعلاج النفسي في ذلك الوقت.

-       أحدثت تلك السنتين لالتحاقي بالبرنامج في الولايات المتحدة والعمل في مركز جلين وود تحولا جوهريا في معارفي ومهارتي وخبراتي في العلاج والإرشاد النفسي. 

-       بمجرد عودتي الى اليمن في 2006 عدت إلى التدريس في قسم علم النفس بجامعة صنعاء، ومن موقعي هذا نشرت الوعي بأهمية تلقي خدمات الصحة النفسية لمئات الطلاب. وفي نفس العام تعينت نائبا لرئيس مركز الإرشاد التربوي والنفسي بالجامعة ثم رئيسة لنفس المركز، لكني في الوقت نفسه حرصت على أن يكون لدي جدول في عيادات المركز النفسية أقدم فيها العلاج النفسي للطالبات، عالجت المئات من الإناث ودربت العشرات من الطالبات على مهارات تأكيد الذات. أحدثت تحولا كبيرا في منهجية ونهج المركز في التعامل مع طالبات الجامعة الذين ترددن على المركز طلبا للعلاج النفسي وكان محور مشكلاتهن وسبب اضطرابهن العنف القائم على النوع الاجتماعي وعلى وجه التحديد العنف الأسري. وللنجاح والشهرة الذي حققته في هذا المركز أصبحن يجلبن أمهاتهن وقريباتهن وصديقاتهن من خارج المركز طلبا للعلاج. غير أن سياسة الجامعة وبروتوكولها لا يسمح بتلقي العلاج إلا للأعضاء المنتسبين للجامعة.

-       وتلبية للاحتياج، قررت أن أنشأ مركزا مستقلا غير ربحي خارج الجامعات لاستقبال الحالات التي لا تمسح الجامعة باستقبالها، فأنشأت مؤسسة التنمية والإرشاد الأسري في 8/1/ 2011، وهو العام الذي صادف انتفاضة الشباب اليمني أو ما سمي بالربيع اليمني، غير أن هذا الربيع لم يدم طويلا فتحول إلى شتاء قارس، لتنفجر في النهاية بوجه اليمنيين حربا ضروس راح ضحيتها مئات الالاف من البشر وأكبر كارثة إنسانية على ظهر الكوكب في هذا العصر الحديث.

-       كان على المؤسسة FCDF أن تتعامل مع التحديات القائمة أصلا التي تواجه النساء في اليمن وهي كثيرة ومتنوعة والتحديات الجديدة المتعاظمة التي أفرزتها هذه الحرب.

-       منذ إنشاء المؤسسة وتحت إدارتي وإشرافي على مدى عقد من الزمن تمكنا من استقبال وعلاج أكثر من 200 ألف حالة من كافة أرجاء اليمن، ونحن اليوم أكبر مؤسسة تقدم خدمات الصحة النفسية المتكاملة في اليمن، وتصل بعض خدماتها إلى كل محافظات الجمهورية ومركزها الرئيسي في صنعاء ولها فرع في عدن.

-       ما يميزنا أننا لدينا أكبر فريق من المعالجين النفسيين المتخصصين يزيد عن 120 مختص أكثر من نصفهم إناث، نعمل على تدريبهم باستمرار ورفع مهاراتهم داخل اليمن أو عبر دورات تدريبية خارج اليمن.

-       كما أننا أنشأنا ولأول مرة في اليمن خط المساعدة النفسية المجاني (136) ليغطي كل محافظات الجمهورية، يستطيع من خلاله طالب الخدمة أن يتلقى الإرشاد النفسي عبر الاتصال إلينا من خط تلفون أرضي أو أي شبكة موبايل ومجانا.. وقد استقبل هذا الخط خلال السنوات الخمس الماضية أكثر من 160 ألف اتصال 76% من الإناث. إن ما يميز هذا الخط أنه أتاح للنساء اللواتي يتعرضن للقهر والعنف الأسري أو غيره أن يتصلن إلى المؤسسة لعرض حالتهن وطلب الاستشارة دون رقابة من أقاربهن من الذكور الذين لم يكونوا ليسمحوا لهن بذلك. لقد أنقذنا مئات الإناث والذكور من الانتحار عبر الاتصال على هذا الخط الساخن.

-       كما أنشأنا عدد من العيادات النفسية المختلفة والمتخصصة في العلاج والإرشاد في المؤسسة وفروعها لاستقبال الحالات وتقديم الأدوية النفسية مجانا، ولأن المجتمع اليمني مجتمع فقير جدا وخاصة مع هذه الظروف المتكالبة عليه من الضغوط النفسية والاقتصادية فإن المؤسسة أصبحت الملاذ الوحيد لهؤلاء المرضى الكثر والفقراء الذين لا يستطيعون دفع ثمن الرعاية النفسية والأدوية التي توفرها المستشفيات والعيادات الخاصة.

-       أنشأت المؤسسة وحدة لرقود الحالات الحرجة من النساء المرضى واللواتي كان بعضهن يضربن حتى الموت لإخراج الشياطين من أجسادهم أو يقيدن بالسلاسل والأغلال ويحبسن في بيوتهن خوفا من العار. وخلال السنتين الماضيتين أستقبلنا في وحدة الرقود أكثر من 400 امرأة تلقين الرعاية والعلاج مجانا وبموافقة أولياء أمورهن وهو مالم يكن مقبول أبدا في السابق.

-       أن أحد ميزات هذه المؤسسة أنها تقدم برنامجا شاملا لمعالجة الاضطرابات النفسية على مستوى الفرد والعائلة. فالإناث المضطربات يتلقين العلاج والإرشاد والأدوية من أطباء إناث كما نعمل على معالجة حالة الاضطراب والعنف من جذوره، بحيث نستدعي الذكور أولياء الأمور المعنفون ونخضعهم هم الآخرين للإرشاد والعلاج، ونعالج أيضا أطفالهن الذين اضطربوا نتيجة العنف داخل الأسرة.

-       إن أهم عمل أنجزته هذه المؤسسة بنجاح، أنها كسرت مسلمات أن العنف ضد النساء والأطفال أمر طبيعي ومعتاد في المجتمع، وأن المرأة عليها أن تتقبل العنف من زوجها أو ولي أمرها على أنه حق من حقوقه الطبيعية، وجعلنا أصواتهم مسموعة أكثر تجاه هذه المسألة.

-       لم نكتفِ في عملنا عند هذا المستوى، بل ركزنا على تمكين 900 من الإناث اللواتي ترددن على المؤسسة من خلال برامج تمكين يساعدهن في تأكيد ذواتهن والحصول على مصدر دخل لإعالة أسرهن وخاصة تلك اللواتي لم يعد لهن عائل.

-       كان المرض النفسي في المجتمع اليمني يعتبر وصمة عار على الفرد والعائلة وخاصة النساء اللواتي كن يتوجعن بصمت، وكان المريض النفسي عادة ما يهمل ويعزل قدر المستطاع عن المجتمع. لقد نجحنا إلى حد كبير خلال العشر السنوات الماضية في التقليل من الوصمة المجتمعية تجاه المرض النفسي وعممنا الوعي بأن المرض النفسي شأنه شأن المرض العضوي يمكن شفائه إذا تلقى صاحبه العلاج، من خلال التوعية البرامجية الإذاعية والتلفزيونية والبوسترات والمجلات الدورية لرفع الوعي المجتمعي..

 

-       بفعل الوعي الذي نشرناه وعممنا بكافة الوسائل والطرق الناجحة، أصبح كثير من الأزواج يأتون إلينا وهم يصطحبون زوجاتهم وبناتهم إلى المؤسسة دون تردد وكذلك نساء يصطحبن أزواجهن أو أبناءهن إلى المؤسسة لتلقي الإرشاد والعلاج وهذا الأمر جديد على المجتمع اليمني.

لم يقتصر دوري على إنشاء هذه المؤسسة ووضع برامجها وإدارة أنشطتها، ولكني أيضا قمت بـ:

-       علاج مئات الحالات من النساء اليمنيات والأطفال، وكذلك المئات من اللاجئات في اليمن.

-       ورفع مهارات عشرات المختصين في الإرشاد والعلاج النفسي.

-       تدريب عشرات من الاخصائيات النفسيات في المدارس على التعرف على المشكلات النفسية للأطفال والتعامل معها.

-       تدريب عدد من موظفي المنظمات الدولية على إدارة الضغوط النفسية.

-       لفت أنظار عدد من الدول والمنظمات الدولية لأهمية دعم البرامج النفسية في اليمن.

-       إعداد أهم وأكبر بحث تم إجراؤه في اليمن، لتقييم وضع الصحة النفسية في الجمهورية اليمنية، وأصبح أهم مرجع يستند له الباحثون من بعدي، ومؤسسات الصحة الرسمية..

-       إعداد كتاب في علم النفس الأسري وسبعة أبحاث في نفس المجال..

 

كل ما عملته وأعمله حتى الآن، صادر عن إيمان راسخ لدي بأن أي مجتمع تكون فيه المرأة مقهورة ومعنفة ومهمشة هو مجتمع كسيح لا يقدر على النهوض والمضي قدماً نحو مستقبل زاهر.